Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/maldraiaan/public_html/wp-content/themes/suzette-an-elegant-blogging-theme/framework/functions/misc.php:57) in /home/maldraiaan/public_html/wp-content/themes/suzette-an-elegant-blogging-theme/framework/functions/misc.php on line 56

Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/maldraiaan/public_html/wp-content/themes/suzette-an-elegant-blogging-theme/framework/functions/misc.php:57) in /home/maldraiaan/public_html/wp-content/themes/suzette-an-elegant-blogging-theme/framework/functions/misc.php on line 56

العزلة حياة ثمينة

“في العزلة كفاءةُ المُؤْتَمَن على نفسه
أن تكون وحيداً…. أن تكون قادراً
على أن تكون وحيداً هو تربية ذاتيَّة”

منذ سنة وحتى اليوم وأنا أدخل في فترات عزلة عن مواقع التواصل الإجتماعي والإحتكاك الكثير بالناس، عزلة اختيارية ليست بسبب كآبة أو احساس بالحزن، بل رغبة في تنظيف العقل والنفس وتربية الذات ومواجهة المخاوف
وجود الناس حولنا يشعرنا عادة بالأمان، يجعلنا نركن همومنا فوق هموهم، يعطي صبغة من الرتابة والاعتيادية على قلقلنا ومخاوفنا وطموحاتنا، وفجأة من غير أن نشعر نندمج بغيرنا، ونجد في نهاية المطاف أن طموحاتنا متشابهة وأذواقنا متطابقة ولا يميز أحدنا الآخر الا اسمه المختلف
التشابهة فكرة ترعبني، أحب أن أشبه شخص أو اثنين في نوع الأغاني التي أسمعها وشخص آخر في الرياضة التي أمارسها وثالث في  اللون المفضل ورابع في طريقة السفر، لكن ترعبني فكرة أن أكون متطابقة مع ألف أو ألفين أو شريحة أكبر من المجتمع، اندماج الأذواق وتطابق الأفكار وضياع المميز يفقدني متعة الاكتشاف والمعرفة

بدايتي مع العزلة كانت في عام ٢٠١١ تحديدًا بعد قراءتي لرواية طعام صلاة حب، فكرة أن تبتعد وتخرج خارج دائرتك المريحة وتختلط بالمختلفين وتتعلم الجرأة، فكرة مغرية بالنسبة لي، في الرواية ساعدتها عزلتها عن من تعرف على أخذ قرارات صائبة والتعرف على نفسها أكثر، ساعدتها على اكتشاف الحياة وحبها
قبل عزلتي الأخيرة كتبت في صفحتي على انستقرام تعليقًا على الرواية:

“عن الرواية التي أعود لها عند كل ضياع، الرواية التي منها أستنشق رائحة الحرية وأتذوق طعم الإنطلاق، أعيش بين صفحاتها رحلة بعيدة كل البعد عن الأزمات السياسية والإقتصادية وألم التيه
رحلة البحث عن الذات والتجارب المنوعة والصداقات الجديدة، الإنفتاح على الآخر، البحث عن الإيمان، البحث عن الحب، البحث عن الحياة
روايتي المفضلة في أزماتي، تفتح لي نافذة أرى منها العالم الآخر المتسع، المشمس، الهادىء
لو كان القرار بيدي لتركت لكم هذه البقعة تتصارعون فيها وعليها ومن أجلها وذهبت بعيدا .. بعيدا وعدت زائرة أحمل الهدايا وأوزع الابتسامات وأكتب عدة أسطر عن شوقي لهذه الأرض
ثم وأنا أصعد الطائرة عائدة الى منفاي اللذيذ، ألقي نظرة أخيرة وأقول -تمت-“

في البداية كانت صعبة وموحشة، أفضل رقم حققته كان الإبتعاد عن مواقع التواصل الإجتماعي لمدة أسبوع، لكن مع التجربة والتكرار استطعت التعايش مع مدة أطول فأطول حتى وصلت الآن لشهرين متواصلين من العزلة، في البداية تبدأ تسمع صوتك وتتعرف عليه ثم تتعرف على أفكارك وتظهر مخاوفك فجأة ويظهر قلقك بعد ذلك وتبدأ كل الأمور المخيفة بالظهور بشكل تدريجي، لكن مع الوقت ستتمكن  من السيطرة عليها بشكل كامل، سيكون لكل شيئ وقته وستعرف كيف تتحكم بمشاعرك
تجربتي الأولى كانت في ٢٠١٢ أتذكر أني في اليوم الأول لأهرب من نفسي ذهبت الى الصيدلية واشتريت بمبلغ ١٠٠٠ ريال تقريبًا، حتى اليوم أتذكر الأفكار التي كانت تدور في رأسي وأنا أرتب الأدوات على الأرفف في دورة المياه وأسأل نفسي لماذا فعلت هذا؟ لم تستمر أكثر من ٣ أيام وعدت بشكل شره لمواقع التواصل الإجتماعي ولقاءات الأقارب لكن كررت التجربة مرة واثنتين وثلاثة حتى صارت عزلتي أجمل أيامي

رتبتني العزلة، غيرت شخصيتي وزادت من استقلاليتي، وساعدتني بشكل كبير على أخذ قرارات صعبة، أحسن القرارات قررتها وأنا
بعيدة عن الناس، قريبة من نفسي
وقت الفراغ أجمل ماتهديك اياه العزلة، في البداية يكبر وقت الفراغ لدرجة تتخيل معها أنه سيلتهمك، في تجربتي الأولى أصابني أرق شديد بسبب انتقال عقلي من حالة الانشغال والمجهود الكامل إلى حالة انشغال جزئية، امتلأ رأسي بالأفكار السلبية ودخلت في مزاج سيئ للغاية، وتكرر الأمر في تجربتي الثانية والثالثة والرابعة حتى وصلت لمرحلة يحتاج فيها عقلي وجسدي للعزلة
علمتني الحرية، بعد الإستقلالية جاءت الحرية، أن تكون حرًا من ادمانك للحديث والإختلاط مع الناس، حرًا من ارتباطك بمواقع التواصل الإجتماعي، حرًا من وضع ذوقك ورأيك في قالب يرضاه المجتمع فقط، حرًا للتعرف على خياراتك أنت وذوقك وأفكارك، حرًا لاكتشاف هواياتك، هذا بالضبط شكل الحرية الذي علمتني اياه العزلة
دربتني على الخفة، عندما تبتعد عن الناس وتكف عن سماع مشاكلهم ومعرفة تفاصيل حياتهم اليومية وتفضيلاتهم يبدأ عقلك بالتخفف من أمور تتعلق بالآخرين لا بك، ثم تكتشتف فجأة مساحة فارغة تستطيع ملؤها بأفكار جديدة، وتبدأ بشكل تدريجي بالعمل على مشاريع مؤجلة من سنوات، تكتشف بعد فترة أن الأمر أسهل من ماتوقعت لكن لإنشغال عقلك بما ليس لك علاقة به لاتجد لنفسك وقت كاف للتفكير بما لديك، بعد أن تنتهي من مهامك المعلقة ستكتشف أنه حان الوقت لبدء مراحل وتجارب جديدة تكون أن بطلها ومحورها، وهكذا تتخفف تدريجيًا من ارتباطك بمن حولك وحياتهم، تفاجأت قبل شهر أثناء عملنا على مشروع ما أنه لايوجد أي مهام معلقة أو مؤجلة في قائمتي، أنا متأكدة لو كان هذا المشروع قبل سنة من الآن لكانت الصفحة امتلأت بالمشاريع والمهام المعلقة!
العزلة مخيفة، نعم مخيفة وموحشة خاصة لنا نحن من تعودنا العيش بين عوائل كبيرة وعلاقات اجتماعية غير منتهية ولا محصورة، ما إن تبدأ تجربتك الأولى حتى تشعر أنك وحيد وحزين وتائه وسخيف وقبيح، وهذا ضروري لأن بسببه ستبدأ بطرح الأسئلة والاستنتاجات، ستبدأ بالتعرف على نفسك وكأنك تلتقيها لأول مرة وستكون أقوى بكثير حين تواجهك مشاكل، لكن يجب أن تصبر وتكرر التجربة، فشلك في التجربة الأولى وارد لكن ستنجح بعد محاولات متكررة
العزلة انتاجية، بعد استبعابي لأوقات فراغي وسيطرتي على مشاعري السلبية بدأت بالتفكير بأفضل الطرق لإستغلال وقتي، قرأت وكتبت وشاهدت عشرات الوثائيقيات ورسمت وسافرت وتذوقت أطعمة جديدة وجربت ملابس مختلفة وتخففت من كل مايزعجني ويثقل علي وتحسنت صحتي وطاقتي الجسدية وعلاقاتي
لكل شيئ قيمة، هذا ماعلمتني اياه العزلة، كنت أعيش في وفرة من والعلاقات الإجتماعية والإحتكاك اليومي بالأصدقاء، وفرة بالسواليف والإطلاع على الجديد في العالم، تدفق عظيم من  المعلومات يجعلني أستهلك أكثر وأتمنى أشياء أكثر لكن مع العزلة تعلمت كيف يكون للثوب الذي أرتديه قيمة وللكتاب الذي أقرأه قيمة وللمشاعر التي أحملها للناس قيمة، علمتني العزلة أن أفرق بين الأصدقاء والزملاء والعابرين، ليس كل من يمر في يومي يستحق كلمة “اشتقت لك” وليس كل من أعرفه يتظر مني “حضن” عند السلام عليه، وليس كل من يجمعني معه حديث يحمل لي مشاعر جيدة، تتدخل العزلة في جعل حياتك ثمينة
العزلة شجاعة، لأنها تطلب السيطرة على الرغبات التي في أوقات اليأس نراها رغبات بسيطة ونستحق أن نحضى بها، شجاعة لأنها تجعلك تواجه نفسك وهذا أصعب أنواع المواجهة على الإطلاق، لا أحد يرغب في أن يتحدث مع نفسه عن أمور لايملك لها حلولًا أو مخاوف لايملك فيها قرار، لكن العزلة تجبرك على ذلك وأخيرًا ستساعدك على أن تستقر عاطفيًا ونفسيًا
علمتني الإنشغال بالنفس، ولعل هذا دافعي الأساسي خلف التجربة الأولى، لسنوات كنت أحاول التوقف عن مراقبة الناس ماذا يلبسون وكيف يأكلون وماهي سياراتهم ومانوع هواتهم والكثير الكثير من الأمور التي نسأل عنها أو نعرفها بشكل عفوي يوميًا، حاولت تدريب نفسي على أنه لاعلاقة لي بما يحدث مع غيري، وحاولت مراقبة أسئلتي وحواراتي والكف عن طرح الأسئلة ولم أنجح الا بعد العزلة، لأن الاحتكاك اليومي يفرض علينا نوع معين من الحوارات اعتدنا عليه وكمية المعلومات التي نتلقاها من الآخرين أو نستنتجها منهم عن حياتهم لها حيزها الخاص في حياتنا ويجب أن يمتليئ هذا الحيز

تجربتي مع العزلة تستحق تقييم ١٠/١٠ وسعيدة لأنها انتقلت من أمر صعب لأسلوب حياة، نجحت بعد توفيق الله في حل كثير من مشاكل
وأفكاري بسببها، وأتمنى أن تنجح معكم
سأكون سعيدة ان شاركتوني محاولاتكم معها

 

13 عدد التعليقات

  1. يقول -:

    العزلة أحب شيء إلي وأبغضه أيضاً
    عشت عزلة طويلة، ولا أجمل من وقت مستقطع في حياتك ليكون لك فقط!
    قال لي أبي : عزلة مرت وما ضرت.
    و أقول بل نفعت ولو لم أعشها لما كنت أنا اليوم
    شكرًا مشاعل

  2. يقول William:

    مقال جميل لإنه نابع من تجربة معاشة، ويستحق الأمر التجربة. كل التوفيق مشاعل

  3. يقول Yazeed:

    قد كتبت تدوينة عن العزلة في عام ٢٠١٥ وتجربتي فيها.

    لا أزال ادخلها بين الحين و الآخر ، فهي ملاذي و نقطة أجتمع فيها مع ذاتي ..

  4. يقول سارة العسكر:

    أستمع للتجربة بصوتك💙 مذهلة دوما بتجاربك البسيطة شكلا، العميقة من الداخل.

  5. يقول ندى:

    لي تجربة مع العزلة قريبًا ولي عودة هنا ❤️
    شكرًا مشاعل

  6. يقول asruniya:

    أهلاً مشاعل،
    أتابعك في كل مكان، وأحب ماتكتبين..
    لكنني أول مرة أترك لك تعليقاً، لأن هذا المقال لامس قلبي بشدة وخصوصاً هذا المقطع:

    “لكل شيئ قيمة، هذا ماعلمتني اياه العزلة، كنت أعيش في وفرة من والعلاقات الإجتماعية والإحتكاك اليومي بالأصدقاء، وفرة بالسواليف والإطلاع على الجديد في العالم، تدفق عظيم من المعلومات يجعلني أستهلك أكثر وأتمنى أشياء أكثر لكن مع العزلة تعلمت كيف يكون للثوب الذي أرتديه قيمة وللكتاب الذي أقرأه قيمة وللمشاعر التي أحملها للناس قيمة، علمتني العزلة أن أفرق بين الأصدقاء والزملاء والعابرين، ليس كل من يمر في يومي يستحق كلمة “اشتقت لك” وليس كل من أعرفه يتظر مني “حضن” عند السلام عليه، وليس كل من يجمعني معه حديث يحمل لي مشاعر جيدة، تتدخل العزلة في جعل حياتك ثمينة”

    شكراً على شجاعتك وكتابة تجربتك معنا!

  7. يقول رودينا:

    انا أعيش بعزلة عن العالم الخارجي الا عيلتي والجامعة حتى وانا بالجامعة افضل أكون بالمكتبة ققرت هالشي لان امر بمرحلة قرارت حساسة وفعلا العزلة حق على أنفسنا نريحها ونرتب افكارنا بين الفينه والأخرى ،، كتاب إليزابيث جالبيرت قراته ولم اتممه وصفك للكتاب يشجع على الرجوع له ،،

  8. يقول ساره:

    حبييت التدوينة 😍😍بالدّات اني اقدس الهدوء و الانعزال لفترات معينة
    سؤالي: الانعزال كيف يكون !!
    هل انعزلتي عن اهلك الناس او بس السوشال ميديا او كيف وشكراً

  9. يقول اسراء:

    وأنا اقرأ تدوينتك ، تذكرت إن رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام كان يعتزل الناس بغار حراء قبل إن يبعث ، فالعزله ليست بالشيء الجديد لكني غفلت عنها يبدوا إني سأخوض هذه التجربه بإذن الله

  10. يقول Lujain:

    احب قراءة تجارب الاخرين المختلفة.. استمتعت جداً بالتدوينة وذكرتني بساوند كلاود لطيف سمعته قبل فترة اسمه (شوبقو) يتحدث عن صيام مواقع التواصل الاجتماعي

  11. يقول norah:

    “التشابهة فكرة ترعبني، أحب أن أشبه شخص أو اثنين في نوع الأغاني التي أسمعها وشخص آخر في الرياضة التي أمارسها وثالث في اللون المفضل ورابع في طريقة السفر، لكن ترعبني فكرة أن أكون متطابقة مع ألف أو ألفين أو شريحة أكبر من المجتمع، اندماج الأذواق وتطابق الأفكار وضياع المميز يفقدني متعة الاكتشاف والمعرفة”
    احب فكرة الإختلاف, الإختلاف في العمل في الشكل في التفكير في طريقة الحياة.
    اكثر مااخاف منه اني اكون نسخة من النساء اللي حولي في المستقبل حياة روتينية, اعيش بقوانين الأهل والزوج والمجتمع, لازم يكون
    تفكيري وتصرفاتي مطابقين لأهلي ومجتمعي, الخوف من كلام الناس.. حياة تقتل وكأني اعيش حياة شكلية لإرضاء الأهل والمجتمع.

    ان شاء الله بسافر قريبًا للهند تحمست اجرب العزلة عن مواقع التواصل, اتمنى في المستقبل اسافر لحالي واعيش عزلة في ظروف أفضل وصحة نفسية وجسدية أفضل 🙂

  12. يقول ELMAGHRAPY:

    العزلة حياة أخرى 😍😍

  13. يقول ELMAGHRAPY:

    تحية وتقدير لك على هذا الطرح و المقال الرائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/maldraiaan/public_html/wp-content/themes/suzette-an-elegant-blogging-theme/framework/functions/misc.php:57) in /home/maldraiaan/public_html/wp-content/themes/suzette-an-elegant-blogging-theme/framework/functions/misc.php on line 56
جميع الحقوق محفوظة، مشاعل الدريعان © 2018