سفر

لبيروت من قلبي سلام #١

جدتي لأمي لبنانية، عاشت أمي طفولتها وفترة من مراهقتها في لبنان، تتحدث أمي بلسان لبناني/حجازي ولم تتكلم اللهجة النجدية الا منذ سنوات قريبة .. تتذكر أمي دائمًا طفولتها هناك، مدرسة الأيتام والحديقة المقابلة لها، الجبال وأشجار الأرز والبرتقال والفريز، تستعيد الذكريات وهي تغمض عينيها وكأنها تقبض على الصورة كي لاتهرب.

صور طفولة أمي كانت كلها بين جبال لبنان وفي مقاهيها، تتحدث أحيانًا عن الحرب الأهلية، عن الرصاص والدماء والهروب، ولا أعرف حقيقة هل عاشتها فعلًا أم فقط خيالها فعل، عاشت جدتي ومازالت تعيش هناك، في دوحة عرمون تحديدًا، بالرغم من أنها سعودية حسب الأوراق الرسمية الا أنها تقضي أغلب وقتها في شقتها الصغيرة في الدوحة، تعرف البقال والخضرجي وتلقي سلتها من البلكونة عند مرور بياع الكعك ليضع فيها كعكة وترفعها.

في أيام الصيف عندما نذهب الى جدة لقضاء الاجازة أسمع قصصًا كثيرة ومعادة أحيانًا عن بائع الكعك، ينتطرونه أبناء خالاتي وما ان يأتي يتزاحمون لالقاء نظرة عليه والحصول على كعكعة، يتحدثون أيضًا عن البحر وصخرة الروشة والمشاوير الجماعية و”الغطيطة” التي تفسد تسريحات شعورهم وتضيع ساعات اقتطعوها من يومهم ليقضونها أمام المرآة.

لماذا هذه المقدمة؟ لأوضح فقط طبيعة علاقتنا بتلك الأرض، ليست مشاعر مؤقتة أو عابرة، ليست شوق للحرية الموجودة هناك والمشاوير وحب لطبيعة الحياة المختلفة فقط، بل هي جذور تمتد من جسدي وتتصل بتلك الأرض، أحببت لبنان من القصص والصور، وتخيلت لسنوات طويلة أشكال الناس وطريقة حياتهم وأشكال بيوتهم.

أعوذ للسؤال، لماذا هذه المقدمة والغرق في التفاصيل؟ لأني لم أزر لبنان ولا مرة! كانت طوال ٢٧ عامًا مجرد لهحة أسمعها وقصص أتخيلها وطعام اعتدت على مذاقة، وكانت تنتقل من على قائمة الأمنيات سنة بعد سنة وكنت مع كل حدث سياسي جديد ينقبض قلبي خوفًا عليها وعلى أمنيتي. 

قبل شهرين تقريبًا كتبت سارة صديقي: “الله يحقق أمنياتك المؤجلة” أو جملة تشبهها، مررت عليها بشكل عابر لكن في نفس اليوم مساءً أثناء مشاهدة مسلسل قبل النوم مع أمي، قالت لي فجأة: سأسافر إلى لبنان. هكذا وبدون مقدمات! أمي التي زارت لبنان اخر مره قبل ٤٠ سنة، قبل أن تتزوج وتنجب وتتوظف، ستزورها الآن فجأة وفي ظل أوضاع سياسية غير مستقرة، وجدتها فرصة مناسبة بل ذهبية انتظرتها ٢٧ سنة وبعد أن توقفت عن المحاولة جاءت فجأة!

كانت زيارة أمي طويلة، لم أستطع مرافقتها منذ بداية الرحلة، قررت اللحاق بها بعدها أسبوعين وقضاء ٦ أيام معها ثم العودة، بعد الحاح على والدي وافق، هكذا فجأة أيضًا!

فرصتي الذهبية كانت في لبنان تجربة الحياة اللبنانية البسيطة، شقة تستقر في الدور الثالث في بناية قديمة، الكهرباء مقطوعة أغلب ساعات اليوم، شتاء ومطر وثلوج!

خطوت أول خطواتي داخل المطار، أمي في أول ممر استقبال القادمين توثق بهاتفها مصافحتنا الأولى -أنا وأختي- لبيروت التي استقبلتنا بهواء دافئ ونسمات عليلة.

mamamesho

مدخل بناية جدتي، والوردة الصفراء تتسلق على سياجها

قضيت أول يومين أتنقل بين البلكونة ومحل المنقوشة القريب من البناية والدكان في آخر الشارع، نمت على فراش بسيط ومتواضع، تناقشت مع أخوالي حول الأوضاع السياسية في لبنان وحرية الصحافة والإعلام و”تعتير” الفرد اللبناني، دخلنا في مقارنات كثيرة وطويلة حول البلدين “السعودية ولبنان” وتناقشنا أكثر حول الأزمة الحالية وسيطرة حزب الله والإقتصاد المنهار.

استيقظ صباحًا أثبت كاميرتي على سور البلكون والتقط مئات الصور للأطفال وهم يركبون الباصات ذاهبين الى المدارس والأمهات وهن يلوحن لهم من النوافذ، التقطت صورًا للعائلات أثناء اجتماعاتهم بعد نهار حافل في بلكونات البناية المقابلة لنا، يشربون الشيشة والقهوة التركية ويضحكون ناسين أو متناسين أنوار الإضاءة المثبتة أمامهم بلا ضوء والفقر الذي يئن على رصيف الشارع.

gVHe5Gd8

انتقلت بعدها الى قلب بيروت، الى شارع الحمراء حيث قضيت الليالي المتبقية من رحلتي، أكرمنا الله بالمطر الكثير، كان الناس يهربون وأنا كنت أسير تحته بلا توقف، قطعت الشارع عشرات المرات، توقفت عن واجهات المحلات عشرات المرات وأكلت منقوشة بربر وشربت قهوة ليلى وابتعت سيديات أغاني من قهوة ة مربوطة.

زرت جبيل والأشرفية والروشة وحريصة وكنسية الغفران والثلج، سأحكي عنهم في وقت لاحق ان شاء الله.

بيروت_زهرة_نيسان#

2 تعليقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *