مراجعة كتب

مراجعة: أنا الضحية والجلاد أنا

جوزيف سعادة، لبناني مسيحي يستعرض في كتابه سيرته الذاتية من الطفولة حتى الثمانينات الميلادية
يحكي سعادة تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية المرعبة التي لم تتعافى منها الشعوب العربية حتى اللحظة
قنل العرب بعضهم .. قتل الأصدقاء بعضهم .. هذه الفكرة الوحيدة التي كانت تسيطر علي طوال ال 30 ساعة الماضية، أطراف النزاع هنا كان اللبنانيون المسلمون والمسيحيون بالاضافة للفلسطينين وتدخل سوريا بعد ذلك بسنوات .. فعلوا ذلك بدم بارد وببشاعة، يتموا الأطفال وشوهوا الأجساد ومارسوا القتل كهواية
لبنان، المدينة الحالمة الرقيقة خاضت تجربة صعبة لم تبدأ عام 1975 بل بدأت قبل ذلك، بدأت عندما حمل أول لبناني ضغينة في قلبه للبناني آخر لأنه يخالفه في الدين
لا أتذكر الآن إلا يوم موت حافظ الأسد، كنت وقتها صغيرة لم أفهم السياسة ولا الأذى الذي تسبب فيه، كانت جدتي تشاهد مراسم الدفن والعزاء وسألتُ بشكل عفوي: على وين ماخذينه؟ ردت خالتي: ع جهنم الحمرا ! استغربت حينها ردة الفعل العنيفة، لكني أدركت بعدها بسنوات أن الجرح اللبناني لم يُجبر بعد
نعود لسيرة جوزيف الرجل الذي تحول إلى سفاح بعد قتل ابنيه، فقد ولدين لكنه قتل وأشرف وشجع على قتل المئات، يقول في خاتمة كتابه أنه لم يندم وشخصيًا أعتقد أن الدافع وراء هذه الاعترافات هو الندم
عمو جوزيف كما كانوا ينادونه، أحبه من حوله من المسيحيين وجعلوه بطلا ولعل هذا ماكان يدفعه للقتل أكثر والتلذذ بالانتصار
دخل الحرب وهو صحفي وسرعان ماتحول لأب شهيدين يبحث بجنون عن قتلة ولديه ليثأر، نسي الصحافة وهمها وانشغل بشكل كامل في الخطف والقتل والإنتقام

حرب لبنان الأهلية لا يمكن اختصارها برواية طرف واحد، هي حرب أطراف متعددة لا نستطيع مهما قرأنا أن نميل لأحدهم، استغرق جوزيف سنوات عديدة قبل أن يقرر الإبتعاد عن ساحات الدم والإستراحة على كرسي المتفرج
خسر المسيحيون في الحرب كما خسر المسلمون تماما، لكن لبنان خسرت أكثر منهم جميعًا، في تلك السنوات السوداء لا أعتقد أن أي من الفلسطينين أو اللبنانين المسيحيين والمسلمين على حد سواء كان يفكر بلبنان، بل كانوا جميعهم يبحثون عن مكان في السلطة وعن انتصارات يكتبها التاريخ، الذي كتب أخيرًا أعدادًا مفجعة من القتلى المدنيين وخسائر مادية لا تقدر بثمن

السؤال المهم هنا: هل سيرة جوزيف سعادة ستشجع المشاركين في هذه المأساة على الحديث؟ فصول كثيرة من هذه الفجيعة مازالت مجهولة،
لم توثق سنمائيًا ولا تاريخيًا ولا أدبيًا، وهل سيتعلم العرب من هذه الحرب؟
أثناء قراءتي لهذا الكتاب، تذكرت فيلم نادين لبكي “وهلأ لوين؟” الذي طرحت فيه بداية الطائفية في قرية بسيطة في لبنان، قرية لم تكن تملك لا تلفاز ولا مذياع ولا يربطها بالعاصمة أو العالم شيْ، عاش المسلمون والمسيحون جنبًا إلى جنب حتى دخل التلفاز ونقل الأخبار وحصلت الفرقة

الفيلم موجع ويحكي حقيقة لا نستطيع انكارها ولا نعرف من خلاله على من يقع اللوم في هذه الطائفية الخالية من الانسانية
على الاعلام؟ على الحكام؟ على الشعوب؟

قراءة ممتعة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *